عبد المنعم الحفني
38
موسوعة القرآن العظيم
بالتفسير أو بالتأويل ، وأن من الواجب علينا بإزائها أن نسلّم فيها ، ونؤمن بها كما هي ، ونقرأها كما علّمنا أن نقرأها . والصحيح أن هذه الحروف لها معنى ، ككل شئ في القرآن ، فلا يعقل أن يكون القرآن هو رسالة اللّه إلى الناس وتكون بعض مكوناته من الأسرار ، أو محظورا تناولها بالدرس والبحث ، واللافت للنظر في هذه الحروف أنها تبدأ السور التي تستفتح بآيات اللّه في الكون ، فالحروف آيات مثل الآيات الفيزيائية في الكون ، ومن الحروف يكون التعبير عن الفكر ، وتكون الجمل والعبارات والأسماء والأفعال ، وهي الأبنية التي تقوم عليها القراءة والكتابة ، فإذا كانت الحروف تبدأ بها بعض السور فإنما للفت الانتباه إلى عظمة تأثير الحروف والكلمة في حياة البشرية والأمم والحضارات ، كلفتة الانتباه إلى كافة الكائنات والموجودات في الكون كآيات وبراهين ودلائل على وحدانية اللّه وعلى قدرته وعلمه ، ومن ثم فإنه إذا كان يقول أنه سيبعث الموتى ، وستكون لهم قيامة ، ويعقد لهم حسابا ، وسيجازى المؤمنين المحسنين ، ويعاقب الكافرين المفسدين ، فهو يستطيع ذلك فعلا بما نراه وندركه من وجوه عظمته وتفرّده . ومن هذه الحروف صار الإنسان كاتبا وقارئا ، وهما ما يميزانه كإنسان ، وبهما صار له تاريخ ، وتراكمت لديه المعارف ؛ وأبدع القراءة والكتابة ، وتغنّى بالكلمات والمعاني ، وميز الأصوات والأشكال ، فالحروف آيات ، وربما لهذا كان قسمه تعالى بمعجزاته الكونية الفيزيائية ، كالشمس والقمر ، والليل والنهار ، والأرض والسماء ، والوديان والجبال ، والماء والسحاب والمطر ، والأنهار والبحار ، وقسمه أيضا بمعجزاته الفكرية ، كالقرآن وآياته فيه في مختلف العلوم والمعارف ، كالطب والهندسة ، والقانون ، والجغرافيا ، والتاريخ ، والاجتماع ، والسياسة ، والزراعة ، والصناعة ، والفنون ، والآداب . . . إلخ . ولاحظ بعضهم من القدامى أن اسمه تعالى « الرحمن » ، لو قطّع ثلاثة أجزاء ، لكان : « الر » ، و « حم » ، و « ن » ، وهذه الأجزاء الثلاثة تبدأ بها ثلاث عشرة سورة من القرآن ، منها خمس سور بداياتها « الر » ، وسبع سور بدايتها « حم » ، وسورة واحدة بدايتها « ن » . وقال آخرون : إن اللّه تعالى في الآية ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ ( 1 ) ( القلم ) ضمّن النون جماع الحروف التي منها أسماء الموجودات ، لأن النون حرف احتواء ، وداخلها كل الموجودات في حالة إمكان . وفي التفسير الحديث لهذا الكلام القديم ، أن كل موجود له شفرة أبجدية في حالة كمون ، هي الشفرة الأبجدية الجينية ، فيثبت بذلك أن الحروف المتقطّعة في أول السور ليست من المتشابه ، ولا من المكتوم الذي لا يفسّر ، ولا من المستور معانيه ، اختبارا من اللّه ، وامتحانا لعباده طلّاب العلم والعلماء ، وبناء عليه فإن القول بعدم الخوض